خاتمة الكتاب

عهدٌ لا ينتهي: ما الذي يبقى في الذاكرة بعد "دليل السلامة والجودة في التخدير"؟

الأمان في التخدير ليس مشروعاً له نهاية، بل هو رحلةٌ مستمرة… التزامٌ يومي، وممارسةٌ واعية، وثقافةٌ حيّة تُختبر في التفاصيل الصغيرة قبل الأزمات الكبيرة.

ولهذا لم أكتب هذا الكتاب كرفاهية معرفية، ولا كملفٍ "يُضاف" إلى رفّ السياسات، بل كتبته لأنني — بعد سنوات طويلة في غرف العمليات والعناية والإفاقة — وصلت إلى يقينٍ بسيط: أنّ معظم الأذى الذي يصيب مرضانا كان يمكن منعه، لو أننا صممنا النظام الصحيح، وبنينا الثقافة الصحيحة، وأحسنّا العمل معاً.

هذه الصفحات كانت محاولة لردم الفجوة بين ما نعرفه علمياً وما نمارسه يومياً؛ بين الإرشادات اللامعة على الورق وبين واقع الضغط والتعب والتشتت وتداخل المهام؛ بين "المهارة الفردية" وبين "هندسة الأمان".

وإذا كان لي أن أختصر ما أردتُ أن يترسّب في الذاكرة من هذا الدليل، فهو هذا التحوّل: من ثقافة اللوم إلى ثقافة التعلّم، ومن ردّة الفعل إلى الاستباق، ومن الفرد إلى الفريق، ومن الحفظ إلى النظام.

1) خريطة الكتاب في سطر واحد: من العلم… إلى النظام… إلى الإنسان

بدأنا من الأساس: لماذا السلامة في التخدير مهمة؟ لأن التخدير، رغم تقدمه، يبقى مجالاً عالي الحساسية؛ تغيّرٌ بسيط في الأكسجة أو التهوية أو الدورة قد يفتح باباً واسعاً للأذى. ثم انتقلنا إلى "علم السلامة" نفسه: التفكير النظامي، العوامل البشرية، التصميم المتسامح مع الخطأ… ذلك العلم الذي يعلّمنا أن الخطأ البشري ليس خاتمة القصة بل بدايتها.

وتعلمنا أن إصلاح الفشل الكامن أقوى من توبيخ الخطأ النشط؛ وأننا إن أردنا أماناً حقيقياً فعلينا أن نغيّر النظام لا الأشخاص وحدهم. ولأن الجودة هي الوجه الآخر للأمان، خصصنا مساحة واسعة لأدوات التحسين: نموذج دونابيديان، ودورة PDSA، وبناء مؤشرات وقياسات ولوحات متابعة… لأن "ما لا يُقاس لا يُحسّن".

ثم دخلنا إلى قلب العمل: كيف نبني نظام تخديرٍ آمناً؟ كيف نمنع الضرر؟ كيف نكتشفه مبكراً؟ كيف نحتويه إن حدث؟ ثم كيف نتعلم منه ولا ندفنه؟ وفي الأزمات، كان محورنا: التعرف المبكر، الستون ثانية الأولى، طلب المساعدة، توزيع الأدوار، والتواصل تحت الضغط… واستخدام القوائم المرجعية ووسائل المساعدة المعرفية بدل الاعتماد على الذاكرة وحدها.

ثم جاء الجزء الذي يذكّرنا أن التخدير ليس قالباً واحداً: أطفال، وولادة، وبيئات خاصة خارج غرفة العمليات (NORA)… حيث يجب أن تكون المراقبة والجهوزية "مكافئة" لغرفة العمليات، لا أقل منها. وأخيراً، نظرنا إلى الغد: الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتعقيد القادم… لكن مع بقاء الحقيقة الكبرى: أن المستقبل الأكثر أماناً لا يصنعه جهازٌ ذكي وحده، بل يصنعه قسمٌ ذكي ثقافياً.

2) ما الذي أردتُه أن يبقى "معلّقاً في ذهنك" بعد إغلاق الكتاب؟

إذا أغلقت هذا الكتاب اليوم، فأنا أتمنى أن تبقى معك "رسائل" محددة، عملية، قابلة للتطبيق… لا مجرد عبارات جميلة:

الرسالة الأولى: لا تعتمد على ذاكرتك وحدها… صمّم أنظمة تحميك من نفسك

هناك أخطاء لا تبدو "طبية" بقدر ما تبدو "تفصيلية"… لكنها قد تكون قاتلة. قصة الحشوة الحلقية المنسية ليست درساً في مهارة التنبيب، بل درسٌ في هشاشة الذاكرة البشرية تحت الضغط والحزن والتشتت، وفي ضرورة التذكيرات المتعددة وقائمة ما قبل الإفاقة. لقد قلتها هناك بوضوح لأنني دفعت ثمنها خوفاً ورعباً: "لا تعتمد على ذاكرتك وحدها. ضع أنظمة تحميك من نفسك."

الرسالة الثانية: "الروتيني" هو المكان المفضل للخطأ

أخطر ما يفعله طبيب التخدير هو أن يطمئن أكثر مما ينبغي. "عملية بسيطة"… "مريض جيد"… "وقت قصير"… ثم تتراكم المشتتات: سؤالٌ إداري، اتصالٌ عاجل، إنذارٌ مزعج، استعجال جرّاح… وفي لحظة واحدة قد ترتبك اليد فوق محقنةٍ واحدة: هل هي هذا الدواء أم ذاك؟ هذا ليس ضعفاً شخصياً؛ هذا علم اسمه العوامل البشرية، وواقع اسمه "امتلاء العقل".

الرسالة الثالثة: المراقبة ليست أرقاماً… بل أنماطٌ ومعنى

الأمان لا يقوم على رقم تشبعٍ لحظي أو ضغطٍ واحد؛ بل يقوم على قراءة الاتجاهات، وربطها بالسياق، والانتباه إلى "الغير طبيعي المتكرر" حتى لو بدا صغيراً. هذا ما يفرق بين اكتشاف الأزمة مبكراً وبين مطاردتها بعد فوات الدقيقة الذهبية.

الرسالة الرابعة: في الأزمات… أنقذ وقتك بكتيّب طوارئ وقائمة مرجعية

حين تتصاعد الأزمة، ينخفض التفكير. ولهذا لا يكفي أن "نعرف" الخوارزمية؛ يجب أن تكون موجودة ومُدرّبة ومقاسة: نسخة في كل غرفة، وأخرى في عربة الإنعاش، وتدريب دوري قصير، ومحاكاة سنوية، وقياس أداء… لأن الأزمات لا تَقبل الارتجال.

الرسالة الخامسة: خارج غرفة العمليات… لا توجد أعذار

بيئات NORA تغريك بأن "تتساهل" لأن الإجراء قصير أو المكان ليس OR. لكن القاعدة التي أردتها صارمة: المراقبة المكافئة، وخطة الأكسجين الاحتياطية، وتجهيز إنقاذ مجرى الهواء فوراً، وخطة نقل واضحة، وBrief قبل البدء.

الرسالة السادسة: سلامة الدواء ليست مهارة كتابة ملصق… بل نظامٌ يمنع التبديل

أخطاء الأدوية ليست عيباً في "التركيز" فقط، بل نتيجة تصميم يسمح بالالتباس. ولهذا تتكرر في الكتاب لغة واحدة: تحقق مزدوج، معايير وسم، فصل أدوية عالية الخطورة، ووسائل تحقق إلكترونية حيث أمكن.

الرسالة السابعة: ثقافة السلامة تُقاس بردّ الفعل على الخبر السيئ

أخطر قائدٍ على القسم ليس الذي لا يملك سياسة… بل الذي يملك سياسة جميلة ويهدمها بسلوكٍ واحد. ولهذا وضعت القاعدة الذهبية: "ثقافة السلامة ليست ما تقوله السياسة. إنها ما يفعله القائد عندما يسمع خبراً سيئاً." إذا صرخ القائد، خاف الفريق. وإذا خاف الفريق، صمت. وإذا صمت الفريق، ماتت فرص التعلّم.

الرسالة الثامنة: الإبلاغ دون لوم هو محرك التعلم

نحن لا نبني أقساماً آمنة بالسرية والخجل، بل بالبلاغات الصادقة عن الأخطاء وقرب الحوادث، ثم تحليلها دون انتقام، ثم تحويلها إلى تغييرات قابلة للقياس.

الرسالة التاسعة: "الضحك" أحياناً وسيلة تعليم… إذا لم يهدد سلامة المريض

حتى التجارب الطريفة — مثل مقالب "الموجات الكاذبة" — يمكن أن تتحول إلى درسٍ عميق: أن لا نخدع أنفسنا بما نريد أن نراه على الشاشة، وأن نعود دائماً إلى المريض، وأن نثبت مصدر المعلومة قبل القرار.

الرسالة العاشرة: لا تسمح للتقنية أن تسرق حضورك

قصة الهاتف الذكي في غرفة العمليات لم تكن عن هاتف… بل عن لحظة انبهار صغيرة كادت أن تُسقط حياة مريض وطبيب معاً. وأنا أكتبها اليوم بوضوح أكبر: كل تقنية لا تزيد سلامة مريضك، فهي — في تلك اللحظة — خطرٌ صامت.

3) السلامة والجودة: ماذا يعني أن "نُتقن" التخدير؟

الإتقان في التخدير ليس أن تُجري ألف تخدير دون مشكلة. الإتقان هو أن تبني منظومة تجعل "المشكلة" أقل احتمالاً، وتكتشفها أسرع إن بدأت، وتحتويها بأقل ضرر إن انفلتت، ثم تتعلم منها بحيث لا تتكرر.

ولهذا كان التركيز في الكتاب على المنهج لا على "الاستعراض":

4) من "قصة" إلى "نظام": لماذا أدخلتُ التجارب الإنسانية في كتابٍ مهني؟

لأننا لا نتذكر المفاهيم وحدها… نتذكر المشاهد. نتذكر طبيباً خسر صديقاً لأن البيئة لم تكن آمنة، فنفهم أن سلامة الرعاية لا تنفصل عن سلامة العاملين والقوانين التي تحميهم. ونتذكر ليلةً "لم تنته" في الوجدان، فنفهم أن الضغط النفسي ليس تفصيلاً، وأن الإرهاق والحزن قد يتحولان إلى عامل خطر إذا لم نبنِ نظام دعمٍ وتبديل عند الحاجة. ونتذكر جمعةً غرقنا فيها بالدماء، فنفهم معنى الفرز، ومعنى أن تكون غرف العمليات خط دفاعٍ أخير حين تنهار الحياة في الخارج.

هذه القصص ليست "خروجاً" عن العلم… إنها تذكيرٌ بأن العلم بلا إنسان يصبح نصاً بارداً، وأن الأمان بلا ضمير يصبح إجراءً شكلياً.

5) ما الذي أتمنى أن يحدث "غداً" في قسمك بسبب هذا الكتاب؟

لا أتمنى أن تقول: قرأته. أتمنى أن تقول: غيّر شيئاً في يومي.

أن يحدث غداً واحدٌ أو أكثر من التالي:

  1. خمس دقائق إضافية لفحص الجهاز — لا على سبيل العادة، بل على سبيل الانشغال بالفشل قبل أن يحدث.
  2. ملصق واضح، وتحقق مزدوج، وفصل أدوية عالية الخطورة — حتى لو استهزأ البعض "بالإجراءات الزائدة".
  3. Brief صادق قبل البداية: ما الذي قد يسوء اليوم؟ من سيقود؟ من سيقرأ الكتيّب إن وقع الحدث؟
  4. قائمة ما قبل الإفاقة — لأن إزالة "شيء صغير" قد تساوي حياة كاملة.
  5. Debrief بعد حدثٍ مزعج — بلا لوم، وبحكمٍ جيد، وبمتابعة حقيقية لا كلامٍ عابر.
  6. بلاغٌ واحد عن Near Miss — لأن القرب-حادثة قد تُنقذ عشرة مرضى قبل أن تتحول إلى مأساة.

6) المستقبل: تكنولوجيا أكثر… وحاجة أكبر إلى ثقافة أعمق

نعم، القادم يحمل ذكاءً اصطناعياً، وأتمتةً، وجراحةً روبوتية، وبيئاتٍ هجينة، ومرضى أكبر سناً وأكثر تعقيداً. لكنني أؤمن أن أعظم "تكنولوجيا" تحمي المرضى ليست جهازاً… بل قسمٌ يعرف كيف يتعلم: يعترف، يبلغ، يحلل، يغير، يقيس، ثم يثبت التغيير كعملٍ قياسي لا كحماسٍ مؤقت.

7) كلمة أخيرة: العهد الذي أودعُه بين يديك

بعد خمسةٍ وعشرين عاماً في هذه المهنة، ما زال السؤال الذي يلاحقني كل صباح هو ذاته: كيف أضمن أن كل مريض يُسلّمني روحه اليوم… سيعود إلى أهله سالماً؟

وأصدق إجابة وصلتُ إليها ليست "بطولة فرد" ولا "عبقرية طبيب"، بل منظومة: معرفةٌ رصينة، مهارة، يقظة، تواصل، فريق، تصميمٌ ذكي، ثقافةٌ عادلة، والتزامٌ أخلاقي لا يتبدل.

العهد الذي لا ينتهي

"لا يجب أن يُصاب مريض بأذى بسبب التخدير."

هذا هو العهد… وهذا هو الطريق.

د. جميل السقيا
استشاري التخدير والعناية المركزة