هذا السؤال ليس مجرد قلق مهني عابر، بل هو جوهر المسؤولية التي نحملها كأطباء تخدير. إنه السؤال الذي يجب أن يؤرقنا، ويدفعنا، ويُشكّل كل قرار نتخذه، وكل بروتوكول نضعه، وكل نظام نبنيه. لأن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن فقط في المهارة الفردية أو المعرفة العلمية، بل تكمن في ثقافة الأمان الشاملة التي نبنيها معاً كمنظومة متكاملة.
هذا الكتاب هو محاولة جادة ومنهجية للإجابة على هذا السؤال. إنه ليس مجرد دليل تقني في علم التخدير، بل هو بيان فكري ومهني حول كيفية بناء نظام تخديري موثوق، يضع الأمان في صلب كل إجراء، ويجعل من الجودة ليست هدفاً نطمح إليه، بل معياراً لا نقبل بأقل منه.
في البدء، كانت الغرفة.
غرفة بيضاء، باردة، تُضيئها مصابيح جراحية تُشبه أقماراً صغيرة معلقة في سماء من السقف المعدني. رائحة المعقمات تمتزج بهمس الأجهزة، وصوت القلب يُترجَم على شاشة خضراء إلى موجات ترتفع وتنخفض كأنفاس الحياة. في هذه الغرفة، وقفتُ لأول مرة منذ أكثر من عقدين، طبيباً شاباً، متأبطاً حلماً وحقيبة طبية، وفي قلبي خليط من الشغف والرهبة.
لم أكن أعلم حينها أن هذه الغرفة ستصبح مسجدي وأن كل مريضٍ يدخلها سيكون معلماً، وأن كل نبضة قلب سأراقبها ستُذكّرني بمعنى المسؤولية في أنقى صورها.
هذا الكتاب ليس مجرد دليل تقني في علم التخدير. إنه شهادة إنسانية، وثيقة حية من رحلة استمرت ربع قرن بين جدران غرف العمليات، بين وجوه المرضى وعائلاتهم، بين لحظات النجاح المُبهرة ولحظات الفشل المُوجعة. إنه محاولة لإجابة سؤال واحد جوهري، سؤال رافقني طوال مسيرتي ولا يزال يُلِحّ علي كل صباح: لماذا الأمان في التخدير مهم؟
الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد: لأن الحياة هشة، والخطأ لا يُغتفَر، والتفاصيل الصغيرة قد تفصل بين الحياة والموت.
رجل في الأربعينيات من عمره، وجهه يحمل تقاسيم الكدح، وعيناه تعكسان خوفاً مكتوماً حاول إخفاءه بابتسامة باهتة. دخل إلى الطوارئ ليلاً، يُمسك بطنه بألم شديد، شاحب الوجه، تنزف منه الحياة ببطء. التشخيص: انثقاب في الأمعاء. والحل: جراحة طارئة فورية.
كنت حينها في بداياتي، ممتلئاً بالعلم النظري الذي تعلمته في الكتب، لكنني لم أكن قد تذوقتُ بعد طعم المسؤولية الحقيقية. وقفتُ أمام سرير المريض، وبينما كنت أُحضّر أدوية التخدير، شعرتُ بثقل غريب يضغط على صدري. لم يكن ثقل الأدوات الطبية، بل كان ثقل الأمانة. هذا الرجل الذي لا أعرفه، والذي سيُغمض عينيه بعد لحظات، يثق بي ثقة عمياء. يُسلّمني جسده، وعقله، وروحه. يفترض أنني سأحميه، وأنني أعرف ما أفعله، وأن كل شيء سيكون على ما يُرام.
بدأتُ عملية التخدير. حقنة تلو الأخرى، ومراقبة دقيقة لكل رقم على الشاشة. دقات القلب، مستوى الأكسجين، ضغط الدم. كل رقم كان يُمثّل جزءاً من حياة المريض. مرّ الوقت ببطء، كل دقيقة كانت تبدو ساعة. الجراح يعمل، والممرضة تُساعد، وأنا أراقب الأرقام كحارس يقظ لا يغفل لحظة واحدة.
انتهت العملية بنجاح، وعاد المريض ليتنفس بعمق في غرفة الإفاقة. فتح عينيه، ونظر إليّ نظرة امتنان ممزوجة بارتباك، كأنه عائد من رحلة بعيدة جداً. في تلك اللحظة، أدركتُ أن الأمان في التخدير ليس رفاهية، بل ضرورة قصوى. أدركتُ أن دوري ليس فقط أن أُخدّر، بل أن أحمي. أن أكون حارساً أميناً للحياة في أكثر لحظاتها ضعفاً وهشاشة.
التخدير، في جوهره، هو أحد أعظم الإنجازات الطبية في التاريخ البشري. إنه العلم الذي مكّن الجراحين من إجراء عمليات معقدة، وأنقذ ملايين الأرواح، ووهب البشرية قدرة على التدخل العلاجي كانت ضرباً من الخيال قبل قرنين فقط. لكن مع هذه العظمة، يأتي ثقل المسؤولية الهائلة.
حين نُخدّر مريضاً، نحن لا نُخدّره فحسب. نحن نُوقف وعيه، ونُضعف قدرته على التنفس التلقائي، ونُعطّل منعكساته الحمائية الطبيعية، ونتحكم في ضغط دمه ونبضات قلبه، ونجعله معتمداً اعتماداً كاملاً على أجهزتنا، ومهاراتنا، ويقظتنا، ونزاهة أنظمتنا. في تلك الساعات القليلة، يصبح المريض في حالة من الضعف المطلق، لا يملك فيها دفاعاً عن نفسه، ولا قدرة على الاستغاثة إن حدث خطب ما.
لو سألتني قبل سنوات: ما الذي يصنع طبيب التخدير الجيد؟ لقلتُ: المعرفة العلمية، والمهارة التقنية، والخبرة. لكن بعد آلاف العمليات، وآلاف المرضى الذين دخلوا حياتي ثم خرجوا منها، أصبحت إجابتي مختلفة: الانتباه للتفاصيل.
التفاصيل الصغيرة. شكوى عابرة من المريض، رقم يتغير بشكل طفيف على الشاشة، صوت مختلف لجهاز التنفس، تغيّر في لون الجلد. هذه التفاصيل التي قد يتجاهلها العقل المُرهَق، أو العين المشتتة، هي الفرق بين النجاة والكارثة.
أتذكر سيدة مسنة في السبعينيات، جاءت لاستبدال مفصل الورك. تاريخ مرضي معقد: سكري، ضغط، قلب هش. كانت حالة عالية الخطورة، لكننا اعتدنا على مثل هذه الحالات. في غرفة الإعداد قبل التخدير، بينما كانت الممرضة تربط جهاز قياس الضغط، همست المريضة بصوت خافت: "أشعر بثقل في صدري، كأنه حرقة معدة".
كان من السهل جداً تجاهل هذه الشكوى. ربما هو القلق، ربما أثر الصيام، ربما مجرد حرقة فعلاً. لكن شيئاً ما في داخلي، ذلك الحدس الذي صقلته السنوات، جعلني أتوقف. نظرتُ إلى تخطيط القلب. بدا طبيعياً للوهلة الأولى، لكن عند التدقيق، لاحظتُ تغيرات طفيفة جداً في قطعة ST، تغيرات لم تكن موجودة في التخطيط القديم قبل يومين.
كانت تلك اللحظة هي اللحظة الحرجة. الجميع جاهز: الجراح، الغرفة، المعدات. إلغاء العملية يعني تكلفة، وتأخيراً، وإزعاجاً للجميع. لكن صوت الأمان في داخلي كان أعلى. قررتُ تأجيل العملية فوراً وطلبتُ فحص إنزيمات القلب واستشارة طبيب القلب.
النتيجة كانت صادمة: المريضة كانت تعاني من جلطة قلبية حادة صامتة الأعراض. لو خضعت للتخدير والجراحة في تلك الحالة، لكانت احتمالية وفاتها على الطاولة شبه مؤكدة.
التفاصيل أنقذت حياة المريضة. تفصيل صغير في تخطيط القلب، وشكوى عابرة استمعتُ لها بجدية. هذه اللحظة علّمتني درساً لا يُنسى: في التخدير، لا يوجد تفصيل صغير. وكما يقال دائماً الشياطين تكمن في التفاصيل، لكن الملائكة أيضاً تكمن فيها.
ليس من السهل على الطبيب أن يتحدث عن أخطائه. المجتمع يضعنا في مكانة الكمال، والمرضى ينظرون إلينا كملائكة بيضاء لا تُخطئ. لكن الحقيقة هي: نحن بشر، ونُخطئ. والأهم من ذلك، الأنظمة التي نعمل فيها قد تخطئ أيضاً.
قصة مريض شاب هي واحدة من أصعب القصص التي مررتُ بها. شاب في العشرينيات، تعرض لحادث سير، كسور متعددة، لكن حالته مستقرة. دخل غرفة العمليات لتثبيت الكسور. بدأ التخدير بسلاسة، تم تأمين المجرى الهوائي، وتوصيله بجهاز التنفس الصناعي. بدأت الجراحة.
بعد ساعة تقريباً، بدأ مستوى الأكسجين في الدم ينخفض تدريجياً. فحصتُ الأنبوب، فحصتُ الرئتين بالسماعة، بدا كل شيء طبيعياً. رفعتُ نسبة الأكسجين إلى 100%، لكن التشبع استمر في الانخفاض. القلق بدأ يتسلل إليّ. فحصتُ كل التوصيلات، فحصتُ المريض مرة أخرى، استبعدتُ استرواح الصدر (Pneumothorax). كل شيء يبدو سليماً، لكن يغرق ببطء أمام عيني.
في لحظة إلهام يائسة، قررتُ فصل المريض عن جهاز التنفس الصناعي، واستخدمتُ بالون التنفس اليدوي. فجأة، شعرتُ بمقاومة شديدة أثناء الضغط. ثم انطلقت صرخة في ذهني: "صمام الزفير!". كان صمام الزفير في جهاز التخدير عالقاً في وضعية الإغلاق، مما أدى إلى احتباس الهواء داخل رئتَي المريض وارتفاع الضغط، مانعاً دخول أكسجين جديد.
بمجرد أن استبدلتُ الدائرة التنفسية، عاد صدر المريض للارتفاع والهبوط بانتظام، وعادت أرقام الأكسجين للارتفاع. نجا المريض، لكنني خرجتُ من تلك الغرفة وأنا أرتجف.
بعد هذه الحادثة، قمنا بـ تحليل جذور الأسباب (Root Cause Analysis - RCA). اكتشفنا أن بروتوكول الصيانة للأجهزة لم يتم اتباعه بدقة، وأن هناك قطعة صغيرة تآكلت ولم يتم استبدالها. لم نكتفِ بالقول "الحمد لله أنه نجا"، بل أصلحنا النظام.
الأمان يبدأ بالاعتراف بالخطأ، والتعلم منه، وإصلاح الأسباب الجذرية.
في الماضي، كان الرد التقليدي على الخطأ هو السؤال: "من المخطئ؟". ثم يأتي اللوم، والعقاب. لكن تجربتي علّمتني أن السؤال يجب أن يكون: "ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف نمنع تكراره؟".
أتذكر حادثة وقعت مع زميل لي، طبيب ممتاز ومشهود له بالكفاءة. خلال عملية طويلة ومرهقة، طلب الجراح بعد العملية إعطاء مضاد حيوي. التفت الزميل إلى عربة الأدوية، وسحب أمبولة، وحقنها. بعدها مباشرة في غرفة الإفاقة توقف نفس المريض. اتضح أنه حقن دواءً مرخياً للعضلات (Muscle Relaxant) بدلاً من المضاد الحيوي، لأن الأمبولتين كانتا متشابهتين جداً في الشكل واللون، وموضوعتين بجانب بعضهما. وقد تم تلافي الخطأ القاتل بتنبيب المريض على الفور.
هذا الخطأ هو مثال كلاسيكي على "الخطأ النشط" (Active Failure) الذي يرتكبه الشخص، لكنه ناتج عن ظروف كامنة: الإرهاق، تشابه الأدوية (Look-Alike Sound-Alike)، سوء تنظيم عربة الأدوية، ضعف الإضاءة.
في بيئة تفتقر للثقافة العادلة، كان الزميل سيُلام ويُعاقَب، وستبقى المشكلة الحقيقية (تشابه الأدوية) قائمة لتصطاد ضحية أخرى. لكننا عقدنا جلسة مناقشة المراضة والوفيات (M&M Conference)، ليست كمحاكمة، بل كورشة عمل. وقف الزميل بشجاعة وروى ما حدث. ناقشنا العوامل المساهمة. واتبعناها بعمل ROOT CAUSE ANALYSIS.
خرجنا بتوصيات غيّرت ممارستنا: فصلنا الأدوية المتشابهة في أماكن متباعدة، وضعنا ملصقات تحذيرية ملونة، وفرضنا بروتوكول "التحقق المزدوج" (Double Check) عند إعطاء الأدوية الخطرة.
نحن بشر، نخطئ، ننسى، نتعب، نتشتت. لذا، يجب أن نصمم بيئة العمل بحيث تكون متسامحة مع الخطأ (Error-tolerant) وحامية للمريض.
في إحدى الليالي، كنت أُخدّر مريضاً لعملية طارئة في البطن. كان المريض مستقراً، والعملية تسير بسلاسة. في منتصف العملية، احتاج الجراح إلى وضعية خاصة للمريض - وضعية ترندلنبرج المعكوسة (Reverse Trendelenburg) - حيث يُرفع رأس المريض ويُخفض القدمان.
أعطيت الإشارة للممرض المسؤول عن سرير العمليات، وبدأنا بتعديل الوضعية. لكن في غمرة الانشغال بمراقبة ضغط الدم وإعطاء أدوية التخدير، لم ألحظ أن أنبوب التنفس (Endotracheal Tube) بدأ يتحرك ببطء... ينزلق خارجاً بفعل الجاذبية ووزن الأجهزة المتصلة به.
مرت دقيقتان... ثلاث دقائق...
فجأة، انخفض مستوى الأكسجين في الدم بشكل حاد. نظرتُ إلى جهاز المراقبة: 88%... 84%... 80%... الإنذار يصرخ، والقلب يتسارع. اندفعتُ نحو المريض، ورأيت ما لم أتوقعه: أنبوب التنفس خرج من القصبة الهوائية تماماً، وأصبح يُدخل الهواء إلى المريء بدلاً من الرئتين!
كان الله ستّاراً. أعدتُ إدخال الأنبوب بسرعة، وعاد الأكسجين للارتفاع، واستقر المريض. لكن قلبي لم يستقر... لو تأخرتُ ثلاث دقائق أخرى، لأُصيب المريض بتلف دماغي لا رجعة فيه.
لم يكن السبب إهمالاً مني، ولا نقص خبرة. كان السبب تصميم البيئة نفسها:
بعد هذه الحادثة، أصبحتُ مهووساً بـ هندسة العوامل البشرية (Human Factors Engineering):
الأمان ليس فقط في الدواء الصحيح، بل في البيئة الصحيحة التي تسمح للطبيب بأن يؤدي عمله بذهن صافٍ، ومحمي من الأخطاء البشرية. نحن بشر، وسنخطئ حتماً. لكن البيئة الذكية هي التي تمسك بيدنا قبل أن نسقط.
التخدير ليس عملاً فردياً، بل هو سيمفونية يعزفها فريق كامل. أي نشاز قد يؤدي لكارثة. التواصل الفعال هو عصا المايسترو.
لن أنسى عمر، شاب تعرض لطعنة نافذة في الصدر. وصل وهو ينزف بغزارة، ضغطه ينهار. في مثل هذه الحالات، تعم الفوضى. لكنني تذكّرتُ تدريباتنا على "إدارة موارد الأزمات" (Crisis Resource Management - CRM). صرختُ بصوت حازم وهادئ: "أنا قائد الفريق الآن. نحتاج للهدوء".
بدأتُ أوزع المهام بوضوح. وجهتُ كلامي لممرضة محددة: "أحضري وحدتين دم O سلبي حالاً". انتظرتُ حتى قالت: "جارٍ إحضار وحدتين دم O سلبي". هذا ما نسميه "التواصل المغلق" (Closed-loop Communication).
أخبرتُ الجراح بصوت مسموع: "ضغط المريض 60/40، لدي دم يُضخ الآن، لكننا نفقد أسرع مما نعوّض. أمامنا دقائق". هذه المعلومة جعلت الجراح يُغيّر استراتيجيته فوراً.
الجودة ليست شعاراً، بل منهجية علمية للتحسين المستمر. هي الانتقال من "نبذل قصارى جهدنا" إلى "نتبع أفضل الممارسات المثبتة علمياً".
استخدمنا نموذج (Structure-Process-Outcome) لتحليل مشاكلنا، وطبقنا دورة التحسين المستمر (PDSA Cycle). تحسنت النتائج بشكل ملحوظ: انخفضت معدلات إعادة الإدخال للعناية المركزة، قلّت أخطاء الأدوية، تحسنت تجربة المريض.
بعد أكثر من عقدين في هذه المهنة، وبعد آلاف المرضى، أقف اليوم لأكتب هذا الكتاب. ليس ككتاب تقني جاف، بل كشهادة إنسانية.
هذا الكتاب هو دعوة لكل طبيب تخدير، لكل ممرض، لكل فني، لكل من يعمل في هذا المجال، لكي نتذكر دائماً: لا يجب أن يُتأذى مريض بسبب التخدير.
حين يُسلِّمك الإنسان روحه، لا تخذله أبداً.
على الرغم من التقدم الهائل في علوم التخدير وتكنولوجيا الأجهزة والأدوية، لا تزال الأخطاء الطبية المرتبطة بالتخدير تحدث. بعضها ينتهي بعواقب بسيطة، وبعضها يُخلّف إعاقات دائمة، وبعضها يودي بحياة المريض. الأمر المؤلم هو أن غالبية هذه الأخطاء كانت قابلة للمنع لو توفرت الأنظمة الصحيحة، والثقافة السليمة، والتصميم الذكي، والتواصل الفعّال.
في العقدين الماضيين، شهد مجال سلامة المريض تطوراً كبيراً في الفهم والمنهجيات. تعلمنا من صناعات أخرى عالية الموثوقية مثل الطيران والطاقة النووية. استوعبنا مفاهيم التفكير النظامي (Systems Thinking)، والعوامل البشرية (Human Factors)، والتصميم المتسامح مع الخطأ (Error-tolerant Design)، وثقافة العدالة (Just Culture)، والتحسين المستمر (Continuous Improvement). لكن للأسف، لم تُترجم هذه المفاهيم بشكل كافٍ إلى ممارسات يومية فعّالة في الكثير من أقسام التخدير حول العالم.
هذا الكتاب يطمح لسد هذه الفجوة. إنه محاولة لتقديم دليل عملي، شامل، مبني على الأدلة العلمية والخبرة الميدانية، يساعد أطباء التخدير، والممرضين، والفنيين، والإداريين، على بناء أنظمة تخديرية أكثر أماناً وجودة. إنه دليل لا يكتفي بالنظريات، بل يُقدّم أدوات، وبروتوكولات، وقوائم تفقد، واستراتيجيات، يمكن تطبيقها فوراً.
هذه الجملة، التي تبنّتها مؤسسة أمان مرضى التخدير (Anesthesia Patient Safety Foundation - APSF)، ليست مجرد شعار مثالي. إنها رؤية قابلة للتحقيق إذا التزمنا بالمبادئ الصحيحة، وطبقنا المنهجيات العلمية، وبنينا ثقافة تنظيمية سليمة.
الأمان ليس حدثاً عابراً، بل هو عملية مستمرة ومتواصلة. إنه يتطلب يقظة دائمة، وتعلماً مستمراً، وتواضعاً أمام الحقائق، وشجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وحكمة في معالجة الأسباب الجذرية، وإصراراً على التحسين المتواصل.
هذا الإطار، الذي نسميه "عدسة الأمان" (Safety Lens)، سيكون الخيط الناظم الذي يربط فصول هذا الكتاب.
هذا الكتاب مُقسّم إلى ستة أجزاء رئيسية، كل جزء يُغطي بُعداً جوهرياً من أبعاد الأمان والجودة في التخدير.
لا يمكن بناء نظام آمن دون فهم عميق للمفاهيم الأساسية. في هذا الجزء، نُعرّف بدقة المصطلحات المحورية: ما هو الحادث الضار (Adverse Event)؟ ما الفرق بين الخطأ (Error) والانتهاك (Violation)؟ ما هي الحوادث القريبة (Near Misses) ولماذا هي بنفس أهمية الحوادث الفعلية؟ ما هي الأخطاء الكامنة (Latent Errors) التي تختبئ في النظام كألغام موقوتة؟
نُناقش مفهوم التفكير النظامي (Systems Thinking)، الذي يُعلّمنا أن الأخطاء الطبية نادراً ما تكون نتيجة إهمال فردي، بل هي غالباً نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة: تصميم سيء، ضغوط العمل، سوء التواصل، نقص التدريب، ضعف الصيانة، غياب البروتوكولات الواضحة.
نُسلّط الضوء على مفهوم الخطأ البشري (Human Error) وكيف أننا كبشر، مهما بلغت خبرتنا، نخضع لقيود إدراكية وجسدية. نحن ننسى، ونتشتت، ونتعب، ونتأثر بالتحيزات المعرفية. لذا، يجب أن نصمم الأنظمة بحيث تكون متسامحة مع الخطأ وحامية للمريض حتى حين نُخطئ.
نُناقش أيضاً مفهوم "الأحداث التي لا يجب أن تحدث أبداً" (Never Events)، وهي الأخطاء الجسيمة القابلة للمنع بالكامل، مثل إجراء عملية جراحية على الطرف الخطأ، أو تبديل المرضى، أو ترك أدوات جراحية داخل الجسم. هذه الأحداث غير مقبولة تحت أي ظرف، ووجودها يُشير إلى فشل نظامي خطير.
الجودة والأمان وجهان لعملة واحدة. لا يمكن تحقيق أمان مستدام دون منهجية واضحة لتحسين الجودة. في هذا الجزء، نُقدّم الأدوات والمنهجيات الأساسية:
هذا الجزء هو قلب الكتاب. هنا نُترجم النظريات إلى ممارسات ملموسة:
هذا الجزء يُغطي الأمان في كل مراحل رحلة المريض:
بعض الفئات تتطلب اهتماماً خاصاً:
الأفكار الجيدة لا قيمة لها إن لم تُطبّق وتُستدام:
هذا الكتاب هو بناء متوازن بين:
الكتاب يُقدّم أيضاً أدوات عملية قابلة للتطبيق الفوري: قوائم تفقد، بروتوكولات، نماذج إبلاغ عن الحوادث، قوالب لتحليل الجذور، أمثلة على سياسات الأقسام. الهدف هو أن يكون هذا الكتاب دليل عمل يومي، وليس مجرد كتاب يُقرأ مرة ويُوضع على الرف.
قبل أن أختم هذه المقدمة، دعوني أشارككم قصة واحدة فقط، لكنها قصة غيّرت مساري المهني بالكامل.
كان ذلك في منتصف مسيرتي المهنية. كنت قد اكتسبت ثقة كبيرة بنفسي، وأصبحت معروفاً كطبيب تخدير كفء. في أحد الأيام، كان لدي حالة طارئة، مريض شاب تعرض لحادث وكان بحاجة لجراحة عاجلة. بدأ التخدير بسلاسة، وبعد ساعة من بدء العملية، لاحظتُ انخفاضاً تدريجياً في مستوى الأكسجين. فحصت كل شيء: الأنبوب، الرئتين، التوصيلات. كل شيء بدا طبيعياً، لكن المريض كان يتدهور ببطء أمام عيني.
في لحظة يأس، قررت فصل المريض عن الجهاز واستخدام التنفس اليدوي. فجأة، اكتشفت أن صمام الزفير في جهاز التخدير كان عالقاً، مما أدى إلى احتباس الهواء داخل الرئتين. بمجرد أن استبدلت الدائرة، عادت الأمور لطبيعتها. نجا المريض، لكنني خرجت من تلك الغرفة وأنا مهزوز تماماً.
أدركت حينها أن الثقة الزائدة قد تكون قاتلة، وأن الأنظمة يجب أن تكون مصممة لتحمينا من أنفسنا. قمنا بتحليل جذور الأسباب، واكتشفنا خللاً في بروتوكول الصيانة. لم نكتفِ بالقول "الحمد لله أنه نجا"، بل أصلحنا النظام بأكمله.
هذا الدرس رافقني منذ ذلك اليوم: الأمان يبدأ بالتواضع، والاعتراف بأننا بشر نُخطئ، وأن دورنا ليس أن نكون معصومين، بل أن نبني أنظمة تحمي المريض حتى حين نُخطئ.
هذا الكتاب ليس موجهاً فقط لأطباء التخدير، بل لكل من يعمل في منظومة الرعاية الصحية. الأمان مسؤولية جماعية. أدعو كل قارئ أن يتبنى عقلية النمو والتحسين المستمر.